ابن قيم الجوزية

597

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فأما ذكر الثناء : فنحو « سبحان اللّه . والحمد للّه . ولا إله إلا اللّه . واللّه أكبر » . وأما ذكر الدعاء فنحو رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] و « يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث » ونحو ذلك . وأما ذكر الرعاية : فمثل قول الذاكر : اللّه معي . اللّه ناظر إلي . اللّه شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللّه . وفيه رعاية لمصلحة القلب ، ولحفظ الأدب مع اللّه ، والتحرز من الغفلة ، والاعتصام من الشيطان والنفس . والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة . فإنها متضمنة للثناء على اللّه ، والتعرض للدعاء والسؤال ، والتصريح به . كما في الحديث « أفضل الدعاء الحمد للّه » قيل لسفيان بن عيينة : كيف جعلها دعاء ؟ قال : أما سمعت قول أمية بن الصلت لعبد اللّه بن جدعان يرجو نائله : أأذكر حاجتي ، أم قد كفاني * حباؤك ؟ إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء فهذا مخلوق . واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله ، فكيف برب العالمين ؟ . والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية ، ومصلحة القلب ، والتحرز من الغفلات ، والاعتصام من الوساوس والشيطان . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثانية : الذكر الخفي . وهو الخلاص من القيود . والبقاء مع الشهود . ولزوم المسامرة » . يريد بالخفي ههنا : الذكر بمجرد القلب بما يعرض له من الواردات . وهذا ثمرة الذكر الأول . ويريد بالخلاص من القيود : التخلص من الغفلة والنسيان ، والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه . والبقاء مع الشهود : ملازمة الحضور مع المذكور ومشاهدة القلب له حتى كأنه يراه . ولزوم المسامرة : هي لزوم مناجاة القلب لربه : تملقا تارة . وتضرعا تارة . وثناء تارة . واستعظاما تارة ، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسر والقلب . وهذا شأن كل محب وحبيبه . كما قيل : إذا ما خلونا والرقيب بمجلس * فنحن سكوت . والهوى يتكلم قال « الدرجة الثالثة : الذكر الحقيقي . وهو شهود ذكر الحق إياك . والتخلص من شهود ذكرك ، ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر » . إنما سمي هذا « الذكر » في هذه الدرجة حقيقيا . لأنه منسوب إلى الرب تعالى . وأما نسبة الذكر للعبد : فليست حقيقية . فذكر اللّه لعبده هو الذكر الحقيقي . وهو شهود ذكر الحق عبده ، وأنه ذكره فيمن اختصه وأهّله للقرب منه ولذكره . فجعله ذاكرا له . ففي الحقيقة : هو الذاكر لنفسه . بأن جعل عبده ذاكرا له ، وأهّله لذكره . وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التوحيد بقوله : توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد